صديق الحسيني القنوجي البخاري

13

فتح البيان في مقاصد القرآن

وعن عروة بن الزبير قال : بعث اللّه السماء وكان الوادي دهسا وأصاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ما لبد الأرض ولم يمنعهم المسير ، وأصاب قريشا ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه . لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ أي ليرفع عنكم الاحداث والجنابة ، عن ابن عباس : أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمأ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين ، وقد قدمنا أن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا المؤمنين على الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء ، وهذا المروي عن ابن عباس في إسناده العوفي وهو ضعيف جدا . وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي وسوسته لكم بما كان قد سبق إلى قلوبكم من الخواطر التي منها الخوف والفشل حتى كانت حالكم حال من يساق إلى الموت ، والرجز في الأصل العذاب الشديد ، وأريد به هنا نفس وسوسة الشيطان مجازا لمشقتها على أهل الإيمان كما قيل كل ما اشتدت مشقته على النفوس فهو رجز . وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ بالنصر واليقين فيجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب ، والربط في اللغة الشد ، وكل من صبر على أمر فقد ربط نفسه عليه ، قيل لفظة على صلة كذا في الوسيط وقيل للاستعلاء أي أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها ذكره الواحدي . وَيُثَبِّتَ بِهِ أي بالماء الذي أنزله اللّه عند الحاجة إليه ، وقيل الضمير راجع إلى الربط المدلول عليه بالفعل الْأَقْدامَ أي أقدامكم في مواطن القتال ومعارك الجدال ، وقال قتادة : كان الوادي دهاسا فلما مطروا اشتدت الرملة وسهل المشي عليه لأن العادة أن المشي في الرمل عسر فإذا نزل عليه الماء وجمد سهل المشي ولم يبق فيه غبار يشوش على الماشي فيه . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ أي أذكر يا محمد وقت إيحاء ربك لأنه لا يقف على ذلك سواه وقيل يثبت الأقدام وقت الوحي ، وليس لهذا التقييد معنى ، وقيل العامل فيه ليربط ، ولا وجه لتقييد الربط على القلوب بوقت الإيحاء إِلَى الْمَلائِكَةِ الذين أمد بهم المسلمين أَنِّي مَعَكُمْ بالنصر والمعونة . عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال : قال لي أبي : يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وأن أحدنا ليسير سيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف وعن الربيع بن أنس قال : كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد احترق به . فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي بشروهم بالنصر والظفر أو ثبتوهم على القتال بالحضور